المنجي بوسنينة

42

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

من خدمات للسلطان وملازمته القصر والتفرغ لمعالجة أهله وتطبيبهم [ معجم الأطباء ، 279 ] ، وذلك بمراسيم سلطانية رسمية . وبلغ تقدير الناس له لكفاءته في العلاج أن جعله أهل العلم في مكانة أسمى من مكانة أبقراط وابن سينا وسواهما من أطباء الإغريق والعرب المسلمين . وقد ساعده على الوصول إلى تلك المنزلة نجاحه وصيته الذائع نتيجة للتوفيق الذي كان يلازمه في ممارساته العلاجية . وكان إضافة إلى حذقه الطب ومهارته فيه عالما بالفقه ، وأديبا ناثرا مع قرضه الشعر ، ونحويا ضليعا في أبوابه ، ولغويا متمرسا في علوم اللغة لا تفوته مسائلها المعقدة ، وله في هذه الفنون آثار مخطوطة ضاعت ، وبعضها تمّ تحقيقه . قامت شهرة ابن آدراق الطبية على فلاحه في الإفا من الأعشاب والفواكه التي خبر منافعها ، وعرف فوائدها في العلاج وخواص كل صنف وفصيلة منها ، حتّى تفوق على معاصريه من الأطباء في المغرب في معرفة الأعشاب الطبّية ، والاستشفاء بالفواكه . ويروى عن حذاقته الفذة في الطب ، أن شخصين ماكرين أرادا أن يختبراه في الطب . وكان ابن آدراق يتّبع طريقة علمية أقرب ما تكون إلى الطرق الطبية العصرية ، وهي فحص بول المريض لتشخيص مرضه ، فكان يطلب من كل مريض يقصده للعلاج أن يأتيه في الصباح بزجاجة فيها مقدار من بوله يقال له الهراقة . فعمد أحد الشخصين إلى كبش له ، فأخذ بوله ، وجعله في زجاجة ، وعمد الآخر إلى سقف بيت قديم تتسرب منه قطرات من الماء ، وملأ بها بعضا من الزجاجة كأنها الهراقة المطلوبة . وجاء الاثنان صباحا إلى الطبيب ، واختلطا بين المرضى حتّى يريا ما يصنع الطبيب . فراح ابن آدراق ينظر في هراقة يقدمها المرضى له ، فيشخص مرض المتقدم منه ، ويصف له الدواء . حتّى وصل لصاحب الكبش ، فتوقف عنده ، وجعله في ناحية بعد أن تفحص هراقته . ثم وصل لصاحب السقف فجعله هو الآخر في ناحية ، حتّى فرغ من أمور الناس الآخرين . فانبرى لصاحب الكبش ، وقال له : هذا غلب عليه الشحم ، إن لم تذبحه في القريب العاجل فإن مصيره الموت . ثم التفت إلى الشخص الآخر ، صاحب السقف ، وقال : اجعل لهذا حريرة ، أي سندا ودعامة وإلا سقط وانهار . وعرف مكرهما ، فقبض عليهما ، وأراد أن يسلمهما للحاكم لينا لا جزاء مكرهما ، لكنه عفا عنهما وسامحهما . ومن الروايات التي تتحدث عن حذقه في الطب ، ومهارته في التشخيص الطبي أنه كان يمر على رجل كان ينشد الأبيات الشعرية بصوت جميل ، وهو يعمل في مصنع للثياب الفاخرة . فمر يوما على عادته ، وإذا به يلاحظ أن صوته متغيّر . فدخل إليه وسأله عن الآنية التي يشرب منها ، فوجدها برّادة يضع الماء فيها ليبرد ، فكسرها ، فإذا بداخلها وزغة ( دويبة ضارة ) ، فقال هذه هي السبب في تغير صوته . ومن فراسته بالطب أنه كان مارّا في إحدى الطرق وبرفقته عبده ، فوقع نظره على رجل يحمل بإحدى يديه لبنا ، وفي الأخرى سمكة . فطلب إلى عبده أن يمشي وراء الرجل حتى يعرف مكان الدار . ولما كان الغد ، أمره أن يذهب إلى تلك الدار وينظر هل كان فيها